روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
69
عرائس البيان في حقائق القرآن
ثم إن اللّه سبحانه وصف المشاهدين جماله أنهم إذا رأوه هيّجتهم نعم المشاهدة ، وراحة الوصلة وثناء جلاله ، فأغارهم أنوار سطوات العزة وسبحات العظمة ، ولا يتهيأ لهم في ثنائه إلا العجز عن ثنائه ، فيؤول حالهم في الثناء إلى أنهم جمعوا خصائص صفاته في نعت التنزيه بقوله : دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ ، وهذا حال سيد المرسلين صلوات اللّه عليه حين عاين الحق ، وقال : « لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » . ثم عرفهم مكاره نعمه عليهم من تعريف نفسه فيقولون : اللَّهُمَّ أي : أنت إلهنا وبك عرفناك ونزهناك سبحانك اللهم . ثم وصف تحيتهم بأنهم يبدأون باسم السلام بقوله : وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ : بأن سلموا من خوف حجابه وأليم فراقه ، يبرئ بعضهم بعضا من وصمات النفسانية والشيطانية ، بتبري الحق وتنزيهه عن الحوادث بأنه تعالى سمى نفسه بالسلام ، والسلام المبرئ من الحوادث ، فتحيتهم هناك تنزيهه ، فلما عرفوا حقائق نعمه التي أدركوها بغير علة الاكتساب أثنوا على ربهم ومدحوه به لا بهم بقوله : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ : آخر ذكرهم مدحه تعالى ؛ حيث صرحوا أن ما نالوا منه نالوا بفضله الأزلي واصطفائيته القديمة . قال ذو النون في قوله : دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ : مقام المحققين من العارفين التنزيه والتبري من جميع ما لهم من أنواع الأقوال والأفعال وغير ذلك ، والرجوع إلى الحق على حد التنزيه له أن يقصده أحد بسبب أو يتحبب إليه بطاعة أو يعمل كلا إلا لإظهار سعادة الأزل على السعداء ، وسمات الشقاوات على الأشقياء . وقال الشبلي في قوله : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ : لو ألهموا حمد الحق في أوائل الأنفاس لسقطت عنهم الدعاوى ، لكنهم لم يزالوا يركضون في ميادين الجهل إلى أن فتح لهم طريق الحمد ، فلما فتح لهم طريق الحمد سقطت عنهم الدعاوى ، فرجعوا إلى رؤية المنة ، فكانت آخر دعواهم أن قالوا : الحمد للّه رب العالمين فرضّوا الكل به ، ورجعوا بالكلية ، فأنطقهم لما أنطقهم به من المنطق المحمود . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 12 ] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 )
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 352 ) .